الاثنين، 8 نوفمبر، 2010

الشمندوره"المعني و الرمز"...بقلم محمود أمين العالم 1



المقال من مقدمة كتاب "البحث عن الشمندوره"للأستاذ سيد جمال إسحق عضو حزب التجمع المصري و أحد رموز الحركه الشيوعيه المصريه عبر تاريخها
و للكتاب مقدمتان احدهما تتحدث عن محمد خليل قاسم"مؤلف رواية الشمندوره و قد كتبها الراحل محمد يوسف الجندي و هو احد رموز الحركه الشيوعيه المصريه و الاخري تتحدث عن رواية الشمندوره ذاتها و كتبها الراحل محمود أمين العالم المفكر الماركسي المعروف
.........................
الشمندوره روايه ذات خصوصيه متميزه في ادبنا العربي الحديث كله .فهي أول روايه عن حياة أهلي النوبه و خاصة في مرحله من أخطر مراحل حياتهم،هي مرحلة التعليه الثانيه لخزان اسوان،التي إجتاحت مياهها قرهام،و فرضت عليهم محنة الهجره.و برغم ان الروايه تقتصرعلي محنه قريه واحده من قري النوبه هي قرية "قــتـــه" فإنها تكاد تقدم صورة شامله لمختلف القري النوبيه.فالروايه لاتلتقط حكايه محدده في إطار هذه المحنه،بل تتخذ من هذه المحنه نفسها مرتكزاُ لتقديم لوحات تفصيليه تسجل مختلف جانب الحياه النوبيه،من عادات و أعراف و تقاليد و علاقات فرديه و جماعيه،أساطير و اساليب عمل و تعامل. و لهذا تكاد هذه الروايه أن يغلب عليها طابع التسجيل الواقعي بل الطبيعي دون أن يفقدها هذا الطابع قيمتها الأدبيه الفنيه الرفيعه.
و لهذا لاتتحرك الروايه فحسب بلسان الراوي"الأنـــا" الطفل المشارك في أحداثها و الذي يكبر و ينمو معها و بها،و إنما تتحرك كذلك بلسان "الـنــحـن" الجماعه البشريه القاطنه في هذه القريه النوبيه،بل تتحرك كذلك بلسان عناصرها المكانيه و الطبيعيه.و هي لاتواجه محنة طوفان المياه التي تطلقها التعليه الثانيه لخزان أسوان فحسب،بل تواجه كذلك و ربما اساساُ محنة طغيان سياسي يتعامل مع محنة الطوفان تعاملاُإستعلائياُ إستبدادياُ دون مراعاة لمصالح و حقوق و إنسانيه هؤلاء الذين سيجرف الطوفان بيوتهم و نخيلهم و قبور موتاهم و تراثهم التاريخي كله.
و لهذا تكاد رواية الشمندوره أن تكون وثيقه أدبيه حيه تسعي لتسجيل هويه مجتمعيه و تاريخيه و قيمه ثقافيه ذات طابع خاص قبل أن تجرفها مياه النيل و مياه الطغيان السياسي،أو مياه التاريخ الذي يكتبه في العاده كتاب الحكام و السلاطين.إنها بطابعها التسجيلي و الأدبي تحاول ان تتحدي عوامل التعريه الجغرافيه و التاريخيه و الثقافيه.إنها "الأنـــا الـجــمـاعـيــه" التي تسعي إلي تأكيد ذاتها و وجودها الخاص في مواجهة محاولات التجاهل أو عوامل النسيان.
و هذا مايعطي للروايه طابعا ملحمياُ إلي جانب طابعها التسجيلي الواقعي الطبيعي.و لهذا فإن الجانب الأكبر من هذه الروايه ليس له إمتداد طولي،بل ليس له زمن محدد ينمو و يتطور برغم إن الروايه تكثر من تحديد زمنها و تؤرخ لأحداثها،علي ان هذا هو زمن التاريخ الخارجي الذي تتنفس الروايه و تتحرك في إطاره،و هو أوائل الثلاثيناتو لكن الروايه في الجانب الأكبر منها ليس لها زمن تاريخي ممتدر متطور.فبرغم تعدد فصولها و تتاليها و تنوع موضوعاتها فإنها لاتتحرك إلي العمق.تدور بنا في أنحاء الحياه الجماعيه لأهالي هذه القريه النوبيه تحديداُ لملامحهم و جوانب حياتهم المختلفه.إنها كدوامات نهر النيل و شمندورته لاتتوقف عن الحركه و لكنها حركه مترواحه في مكانه.
و عندما تكتمل رؤيتنا و معرفتنا بهذه الحياه نكون قد بلغنا مشارف المحنه،محنة الطوفان الذي كنا نستمع إلي أصداء و همسات عنه طوال هذه الفصول التسجيليه الأولي. وهنا تبدأ الروايه مرحله من حياتها و حياة أهل هذه القريه،هي مرحلة التصدي لهذا الطوفان الذي يسعي لإلتهام المكان والزمان و التاريخ و الناس.
برغم ان الروايه في بنيتها الشكليه الخارجيه تنقسم إلي فصول صغيره نسبياُ مرقمه من الفصل الأول إلي الفصل السابع و الخمسين،إلا أننا نستطيع أن نتبين تقسيماُ ثنائيل للروايه هو الذي يشكل البنيه الحقيقيه للروايه_فالروايه تنقسم إلي قسم أول هو مايمكن ان نسميه بالقسم التسجيلي لوقائع حياة هذه القريه و هو القسم الذي يحددها و يجسدها و يرسم تضاريسها المكانيه و الإنسانيه و القيميه و الثقافيه و اللغويه و الحياتيه عامة كهويه ذات خصوصيه مجتمعيه و تاريخيه و هو تسجيل يتضمن أحينا إشارات إلي اشخاص حقيقين و يكاد يقدم نموذجاُ للقريه النوبيه عامة و إن وقف عند حدود قرية بعينها هي قرية "قــتــه" كما ذكرناها.
أما القسم الثاني من الروايه الذي يبدأ في تقديري حول الفصل الحامس و العشرين اي منتصف الروايه تقريبا فتنتقل به الروايه أو هذه القريه النوبيه من حياتها المنتظكه الرتيبه المطرده بكل مافيها من مباهج و أحزان و توترات عاطفيه و أزمات صغيره و علاقات حياتيهو عائليه تجمعها رابطه ملتحمه حميمه رغم تعدد تنوع اشخاصها و عناصرها تنتقل الي حاله من الاحساس بالخطر و بضرورة التهيؤ و الإستعداد لمقاومة و مواجهة هذا الوحش المائي القادم لابتلاع كل شئ.و ينتهي هذا القسم بالهجره الي الضفه الأخري من النهر الأكثر إرتفاعاُ في ظل شروط و أوضاع جديده. و يغلب علي هذا الجزء الثاني طابع التغير و التطور و الصراع و التمرد و الحركه و المقاومه و كتابة عرائض الاحتجاج و رفض قرارات التعويض عن الخسائر مع تفاقم المعاناه علي ان ما يجمع بين القسمين:القسم الأول التسجيلي الذي يصور مجري الحياه اليوميه الرتيبه العاديه و القسم الثاني الذي يعبر عن مواجهة الطوفان والصراع والهجره،هو الاحساس الدائم بالعزله و الإضطهاد و المعاناه و الإستغلال بسبب اساليب القمه و القهر و الاهمال التي تمارسها عليه السلطه المركزيه في القاهره فضلا عن الاحساس بالدونيه بسبب الاختلاف في اللون الذي يكاد يترجم إلي تفاوت عرقي طبقي و هذا مايضفي علي الروايه طابعا سياسيا تاريخيا من ناحيه فهي تؤرخ لمرحله أوائل الثلاثينات في مصر أثناء حكم صدقي باشا الطاغيه الذي لم تنقطع مقاومته علي مستوي الشعب المصري عامة،كما يضفي علي الروايه كذلك طابعا اجتماعيا طبقيا عرقيا يتمثل فيما يواجهه النوبين من امتهان و دونيه و إهمال سواء في حياتهم أو في طبيعة الأعمال المتاحه لهم أو حدود التعليم الميسر لأبنائهم و هذا مايجعل القضيه النوبيه في الورايه جزءا من القضيه المصريه عامه في جانبيها الوطني و الديمقراطي.
و لهذا فرواية الشمندوره لاتقتصر علي تسجيل ملامح الهويه النوبيه في مواجهة محنة طمسها و إذابتها و إزالتها بهذه التعليه الثانيه لخزان أسوان و إنما تتضمن كذلك إبراز المعدن الإنساني الأصيل لهذه الهويه النوبيه في إطار المواطنه المصريه و تأكي ماتتسم به هذه الهويه من خصوصيه ذاتيه و شموخ و كبرياء و كرامه و إقتدار علي المقاومه دفاعا عن حق الحياه و المعرفه .
و قد تكون الشمندوره_عنوان الروايه_ و التي جاء ذكرها في أكثر من موضع _مزا لحياة أهالي النوبه لافي حركتهم بنية حياتهم الثابته المستقره في الوقت نفسه فحسب و إنما كذلك في نضالهم و مقاومتهم لما يعانونه من قمع و قهر و مايحتدم في نفوسهم من إرادة للتحرر و لهذا كانت أخر فقره أختتمت بها الروايه رحلتها الطويله_ علي لسان راويها"ثم حانت مني التفاته جانبيه إلي الشمندوره فوجدتها ترتطم إرتطاما شديدا بالسلسله ثم تشدها الي القاع ترتطم ثم تهدأ لتعاود النضال من جديد" علي ان الشمندوره هذه في مرحله من مراحل الروايه تخلصت من قيد السلسله التي تشدها إلي قاع النهر و اندفعت الي الشمال و عامت في النيل أسبوعا كاملا من الحريه ثم أعادوها بسلسله إلي مكانها المعهود يشدونها إلي قاع اليم"ص441 الشمندوره ـــ طبعة أدب و نقد ـــ 1994" و قد توافق هذا الامرالخاص بالشمندوره في الروايه توافقا رمزيا مع فترة قبول حامد الراوي الطفل في السنه الاولي من المدرسه الإبتدائيه عنيبه ثم طرده منها لإكتشاف الوزاره إنه يتجاوز العاشره من عمره! و ليست الفقره الختاميه في الروايه التي اشرنا إليها إلا تعبيراُ رمزيا أخيرا للروايه عن تحرر الشمندوره من جديد متمثله تمثلا رمزيا في شخصية الراوي و هو ينطلق من جديد في نهاية الروايه عائدا الي مدرسته بعد طرده منها.فلقد إستجابت الوزاره لعريضت احتجاج علي طرده و عاد الي المدرسه و لم تكن هذه العوده أخيرا إلي المدرسه إلا تعبيرا رمزيا كذلك في نهاية الروايه عن طريق تحرر "شمندوره-أهالي" النوبه من معوقات حياتهم:إن الطريق هو المقاومه من اجل الحقوق ثم التعليم.بل يكاد التعليم ان يكون طريق الخلاص الحاسم من العزله و الجمود و الامتهان و الاحساس بالدونيه و تكاد هذه الكلمخ الركزيه الاخيره للروايه ان تكون رسالتها كذلك و لكن الملاحظ ان هذه الرساله او هذه الكلمه تتحقق علي نحو فردي بما قد يعني ان الخلاص يتحقق بالخروج من المجتمع الصغير مجتمع القريه الملتحم الحميم الضيق و الاندماج فرديا في المجتمع القومي الكبير.فهل هذا ماتريد ان توحي به الروايه في نهايتها رغم انها تبدا سطورها الأولي بل يسود صفحاتها جميعا الطابع الجماعي الخاص"نـــحـــن" الجماعيه و ليس "الأنـــا" الراوي الفردي؟!
هكذا تبدأ الروايه"كل شئ في هذا الإطار هادئ ساكن" فأشجارالنخيل لاتهتز أعطافها و النيل رقد تحت أقدامنا هامدا لايتحرك،إننا نتشبث بمواقع أقدامنا علي الجرف ،لانريد ان نعترف بالرعده التي تسري في مفاصلنا خوفا من النيل و السكون الذي يلفنا،و نحن في حقيقة الأمر لا نفعل شيئا غير التأمل في النيل و تحديق البصر طويلا، مضينا نغالب الخوف و ننتقل من قدم إلي أخري و كانت الباخره تواصل سيرها و تتجاوزنا،لماذا لاتربط الباخره عندنا أبدا!إبتعدت دون ان يأبه بنا أحد و لبثنا لحظه و الغيظ يأكل قلوبنا".
و تكاد هذه الجمل التي التقتطها من بعض الفقرات الأولي في مدخل الروايه أن تقدم صوره تمهيديه للروايه كلها ،بهذا السكون السائد و هذا الإحساس بالخوف من النيل و هذا الإحساس بالعزله عن العالم،عدم إهتمام العالم بنا و تجاهله لنا.ثم لايلبث ان ينبثق "الأنــا" الراوي من هذه "الـنـــحــن" الجماعيه الشامله."و أخذت أنا اشق الطريق الطويل الذي يفصل بين صفوف طويله متراصه من النخل بشكل غابه كثيفه لاتري العين من خلالها إلا أنوارا هامسه تنبعث من بيوتنا هناك عند السفح"ص49 و هكذا نأخذ في التحرك مع "الأنــا" الراوي في الطريق الطويل للروايه و تصاحبه إلي مختلف البيوت.
علي إنه برغم أن "الأنـــا"الراوي هو الذي تتحرك من خلال عيونه إلي مختلف جوانب القريه،في زمن الروايه و الذي من خلاله نلتقي بمختلف رجالها و نسائها و أطفالها و نستمع إلي أحاديثهم و نشارك ف مباهجهم و أحزانهم و خلافاتهم و مشاجراتهم و تطلعاتهم و مخاوفهم،إلا إنه_كما ذكرت في البدايه_ سرعان مايختفي هذا الأنا الراوي الطفل ويحل محله يروي لامن زمن الروايه و إنها من زمن كتابتها "لم يكن في مقدوري حينذاك ان أصدق ان هناك من يستطيعون العيش في بقاع لايسيل في نجوعها(ص222) بل تواصل القريه أحيانا رواية احداثها و احاديثها في غيبة الراوي_تماما بل اننا في كثير من الاحيان نغوص في حضور الراوي او غيابه_داخل شخصيات الروايه،نستمع الي حواراتهم الباطنيه الصامته نحلل مشاعرهم الدفينه التي لايصرحون بها بل إننا ننتقل احيانا من لحظه او علاقه او حدث في غيبة الراوي تماما الي استكمال رؤيه هذه اللحظه أو مواصلة هذه العلاقه او هذا الحديث في حضوره و لكن في استقلال عنه.بل اكثر مايجري الحديث علي لسان عناصر الطبيعه نفسها و خاصة أشجار النخيل مما يضفي علي الروايه رفيفا شعريا بل أحيانا يشارك النخيل في تقديم بعض معلومات عن القريه.مثلا نقرأ في ص114"هذه نخله سامقه،حانيه علي النيل،قمتها منقوشه اصفرت نهايات شواشيها،تهتز مع النسيم و تحتضن ثمارها في حنان،تنحني قليلا ثم تهمس لجارتها:
ـــ أتعرفين ياصغيره كم بلغت من العمر؟
ـــ كم ياجدتي؟عشرين سنه؟
ـــ عدي علي أصابعك،إستراح المماليك تحتي منذ...
ـــ مماليك؟!
ـــ نعم مماليك،ألاتعرفينهم؟هربوا من مذبحه و مروا من هنا و رحل بعضهم و بقي آخرون.
و تفسير ذلك في تقديري __ هو التداخل بين الراوي الطفل و هذا الراوي الطفل نفسه و قد كبر و أصبح كاتبا يستعيد ذكرياته بصريا و تفسيريا.
إنه التداخل بين الروايه المباشره التي يقوم بها الطفل و الروايه التفسيريه الشامله التي يستكملها الكاتب المؤلف.إن الكاتب المؤلف محمد خليل قاسم يكتب من زاويتين،من زاويه عيون طفولته التي تشارك في الاحداث و من زاويه ذاكرته التي تقدم الصوره الشامله للأحداث. و قد يكشف الكاتب نفسه أحيانا كما رأينا فينسي حاضر زمنه فيرويها من زمن كتابتها و لهذا فهو يرويها بالفعل الماضي لابالفعل الحاضر المضارع الذي يسود سرد الروايه.علي ان الروايه لايتم التعبير عنها كما أشرنا من قبل هاتين الزاويتين فحسب بل من زوايا أخري مختلفه،هي زوايا بعض شخصيات الروايه أو زاوية"نـــحـــن" الجماعيه او الزاويه التي تصدر عن احاديث النخيل و لعل هذا التعدد في زوايا السرد في الروايه اي في أصواتها مما يعمق الطابع التسجيلي الشامل للروايه و يضفي عليها كذلك طابعا غنائيا شعريا ملحميا بل يكاد يضفي عليها طابعا سحريا تتداخل فيه اصوات الاحياء و الاشياء في وحده حيويه هي سمه المجتمعات المغلقه و البدائيه عامة و هذا ماعبرت عن الروايه تعبيرا فنيا فريدا.
ستم إستكمال الجزء الثاني من المقاله في البوست القادم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق