الجمعة، 12 نوفمبر، 2010

مـحـمـد خــلـيـل قــاســم…..بقلم محمد يوسف الجندي


نقلا عن مركز آفاق إشتراكيه

المقال من مقدمة كتاب البحث عن الشمندوره للأستاذ سيد جمال إسحق

عرفت محمد خليل قاسم عام 1948 كنت في ذلك الوقت مسئولا عن منطقة الاسكندريه في “الحركه الديمقراطيه للتحرر الوطني” و حضر قاسم من القاهره ليعمل معي في لجنة المنطقه.
كنا نسكن معا في حجره فوق سطح أحد العمارات في الإبراهيميه،كان كلانا هاربا من مطاردة البوليس السياسي و ذلك بعد قيام حرب فلسطين و إعلان الاحكام العرفيه و بدء حملة الاعتقالات التي قامت بها حكومة إبراهيم عبد الهادي ضد العناصر الوطنيه المعارضه لسياستها و الشيوعين في مقدمتهم.كان علينا ان نعمل علي تأمين إقامتنا و سكننا و نواصل عملنا السياسي في هذه الظروف.
كنت في الثانيه و العشرين من عمري و كان يكبرني بأربع سنوات و توثقت بيننا العلاقات،علاقات المعيشه المشتركه و علاقات العمل و النضال و نمت بيننا صداقه وطيده.وجدته إنسانا لطيف المعشر رقيقا حلو النكته ذا وجه بشوش رغم الحده التي تبدو عليه لأول وهله فقد كان لايعرف المساومه في الحق و يقول دائما مايعتقد إنه الصواب و لا يتنازل عن رأيه إلا إذا أقتنع بالراي الأخر.
عشنا معا شهرا او شهرين ثم أنتقل للعمل في القاهره و اسندت إليه مسئوليه هناك ثم نقلت أنا أيضا و بعد ايام عرفت إنه أْعتقل.
التقينا معا بعد ذلك عام 1949 في سجن الحضره بالإسكندريه ثم عام 1961 في سحن المحاريق بالواحات الخارجيه و استمرت علاقتنا في السجن و استمرت بعد الافراج عنا عام 1964.
أمضي محمد خليل قاسم 16 عاما في السجن بشكل متواصل تقريبا بإستثناء شهور قليله خرج فيها الي الحريه عام 1953 بعد ان أمضي حكما بالسجن لمدة خمس سنوات لإنه بعد خروجه من السجن لم يتخل عن معتقداته و استمر في نضاله فأعتقل من جديد و قدم للمحاكمه أمام المجلس العسكري برئاسة الدجوي و حكم عليه بالاشغال الشاقه ثماني سنوات.أمضي أغلب المده في سجن جناح في سجن المحاريق بالواحات الخاريج.أنهي مدة العقوبه 1961 و رحل الي القاهره فكانت اجراءات الافراج او الاعتقال تتم عن طريق المباحث العامه و كان في إمكانه ان يخرج الي الحريه اذا تعهد بانه ترك الشيوعيه او انه لن يواصل العمل السياسي و لكنه رفض ان يقدم مثل هذا التعهد و فضل ان يعود الي السجن لمده مجهوله رغم قسوة السجن و رغم تعطشه للحريه و كان قد أمضي في السجن ثلاثة عشر عاما شبه متصله لم يتخللها إلا فتره قصيره عاش فيها خارج السجن بين الهرب و المطارده عندما انهي الخمس سنوات الاولي من السجن عام 1953 عاد الي السجن معتقلا و كل الذي تغير انه خلع بدلة السجن الزرقاء و لبس بدلة الاعتقال البيضاء و حرم من امتيازات تطبيق لاحة السجون عليه و ظل في المعتقل حتي أفرج عنه مع جميع المعتقلين الشيوعين يوليو 1964.
استمرت علاقتنا بعد السجن و هو إنسان مثقف شاعر و كاتب متمكن و متعدد المواهب يتقن اللغه العربيه و يكتب بأسلوب رفيع و يتقن اللغه الإنجليزيه و بارع في الترجمهو إلي جانب صداقتنا و اشتراكنا في العمل السياسي ،تعاوننا معه في دار الثقافه الجديده فأصدرنا له “الخاله عيشه” و عددا من التراجم منها”حركة التحرر الوطني في شرق افريقيا” و غيرها من التراجم و كنا نلجأ إليه دائما للتشاور بخصوص عمل الدار أو لترجمة بعض الكتب التي كنا نقوم بإصدارها و عند وفاته كانت لديه في منزله إحدي هذه الترجمات التي كان عليه إنجازها.
و في احد الايام جاء لزيارتي في الدار و كان عائدا من عند الطبيب الذي أخبره بمرض قلبه.لقد تأثر قلبه بفترة السجن و المعاناه الطويله و لكنه لم يكن يستطيع ان يستريح.فكان عليه ان يعمل و يعمل كثيرا ليعيش.عمل مترجما في وكالة أنباء ألمانيا الديمقراطيه بالإضافه الي تراجم أخري كان يقوم بها و بعد خروجه من السجن كان قد بدأ جهوده لتنظيم حياته الخاصه،أراد ان يتزوج و يكون اسره و يعيش حياه طبيعيه مثل باقي البشر.دخل السجن و هو في العشرينات و خرج منه و قد تعدي الأربعين.
تقد لخطبة إحدي الفتيات النوبيات و بدا يعد للزواج منها و كنا نسمع منه عندما نلتقي أخبار هذه الاستعدادات و كنا نلحظ سعادته بذلك و كنا نسعد معه آملين ان يستطيع بعد هذه المعاناه الطويله ان يجد من يركن إليه و يستريح معه ثم فوجئنا بخبر موته.
تلك كانت حياة محمد خليل قاسم المانضل الشيوعي الذي أجب وطنه و شعبه و أعطي كل قطره من حياته للقضيه التي آمن بها ومات فقيرا لايملك شيئا و لكنه ترك تراثا لايقدر بثمن .فأعماله الأدبيه و الثقافيه و علي راسها روايته”الشمندوره” مازالت تعيش اليوم و ستستمر و ستقرؤها الأجيال و حياته و نضاله و تضحياته و القيم الأخلاقيه التي ارساها تمثل نموذجا نادرا تقدمه لشباب اليوم و الغد.
إن حياة محمد خليل قاسم هي تاريخ جيل باسره وهو تاريخ لمرحله هامه و مضيئه من الحركه الشيوعيه و الحركه الوطنيه المصريه و هذا التاريخ يبدأ في الاربعينات مع نهاية الحرب العالميه الثانيه و هي فترة صعود و مد وطني أرتبط الكثير من الشباب في هذه الفتره بالحركه الشيوعيه من منطلق وطني فقد كان الشيوعين أكثر القوي وضوحا في تحديد الأهداف الوطنيه و أكثر ثباتا في النضال لتحقيقها.كان يرون أن النضال ضد الإستعمار مرتبط بالنضال ضد السراي و الإقطاع و القوي الرجعيه المتحالفه مع الاستعمار.
و أن النضال ضد الاستعمار لا يهدف الي مجرد جلاء القوات البريطانيه و هو أقصي ماكانت تسعي إليه الاحزاب التقليديه القائمه في ذلك الوقت.فالشيوعين كانوا يدعون للنضال من أجل التحرر الكامل العسكري و السياسي و الاقتصادي و الثقافي. وكانوا يربطون بين التحرر الوطني و التحرر الإجتماعي إرتباط النضال ضد الاستعمار بالنضال ضد أعوانه من المستغلين الداخليين . و بالنسبه للعلاقه مع السودان فقد كانوا يرفضون الشعار السائد حول”مصر و السودان تحت التاج الملكي” و يطلقون شعارا آخر هو “الكفاح المشترك بين الشعبين المصري و السوداني ضد الاستعمار”.
و كان محمد خليل قاسم نوبيا من جنوب مصر القريب من السودان و كانت له علاقه بالمناضلين السودانين المتواجدين في القاهره في ذلك الوقت و بعضهم كان يعمل في صفوف الحركه الشيوعيه المصريه و ينتظمون في احدي فصائلها”الحركه المصريه للتحرر الوطني” و كانوا يصدرون في القاهره مجلة”أم درمان” التي رفعت لواء المفاح المشترك.عمل قاسم معهم في مجلة أم درمان و من خلالها ارتبط بالحركه المصريه للتحرر الوطني و ظل يعمل في المجله إلي ان اغلقها إسماعيل صدقي في حملته الشهيره ضد الشيوعين في 11 يوليو 1946.
و لن أستطرد في الحديث عن دور الشيوعين ونضالهم في الأربعينات فهناك كتابات أخري تتحدث عن ذلك بتفصيل و لكنني أكتفي بإبراز أن هذا النضال كان هو الذي قد التمهيد الفكري و السياسي و النضالي لثورة 23 يوليو 1952،التي قامت متبنيه للأهداف و الشعارات التي نادي بها الشيوعين في الأربعينات الذين لعبوا دورا مباشرا في تحديد أهداف و برنامج الضباط الأحرار.
قام الشيوعين المصريون و منهم محمد خليل قاسم بهذا الدور و لم يطلبوا لأنفسهم أي مغنم و لم يحصلوا علي اي مكسب ذاتي بل استمروا يعانون في السجون و المعتقلات طوال الخمسينات حتي منتصف الستنيات لأنهم رفضوا التنازل عن مبادئهم ،رغم انهم أيدوا و ساندوا كل الخطوات الوطنيه والإجتماعيه التي كانت بقيادة جمال عبد الناصر.
و حياة محمد خليل قاسم هي نموذج لذلك الجيل من المناضلين ،كرس حيانه كلها لبلده و شعبه و للقضيه التي يؤمن بها. و أخضع كل شئ لهذا الهدف.فكانت سعادته الشخصيه تتحق بهذا النضال وبما يحققه من نتائج فيه و كان قاسم إنسانا ذكيا واسع الثقافه و كان في استطاعته ان يسلك الطريق الذي يسلكه كل من يبحثون عن المال و الجاه و الصيت و المركز فهو يتمتع بالصفات التي تمكنه من أن يحصل علي أعلي الشهادات العلميه و ان يحقق لنفسه مجده الشخصي و ان يبحث عن سعادته الشخصيه و لكنه أخضع كل ذلك للقضيه التي آمن بها و ناضل من أجلها و تحمل في سبيلها 16 عاما من السجن في أحلي سنوات عمره.
أمضي محمد خليل قاسم في الشجن سنوات طويله و لكنه لم يضع فترة السجن هدرا.ففي السجن كتب رائعته الشمندوره التي لم تر النور الا بعد الافراج عنه بسنتين وقبل ان يرحل عن العالم بقليل.لقد كانت حياته في السجن عملا مستمرا،كلما اتاحت له ظروف السجن ان يعمل و اكن يقوم بكل انواع العمل:العمل اليدوي-زراعة الأرض و مشاركة رفاقه في استصلاح الارض.و اشترك مع زملائه في بناء مسرح قدم عليه عدد من المسرحيات المعروفه مثل “عيلة الدوغري”و “الناس اللي فوق” و “الخبر” و بعضها مثل هناك لأول مره وبنوا مسجدا للصلاة.قام بهذا كله المسجونو و المعتقلون الشيوعيون،و كان العنبر المجاور يضم المسجونين من الاخوان المسلمين و لكنهم لم يساهموا في اي من تلك الاعمال.
عمل محمد خليل قاسم بيديه،حمل الغلقان علي كتفيه و ضرب الفأس في الارض فهو و زملاؤه يدافعون عن مصالح الانسان العامل و يحترمون العمل و يقدسونه و يمارسون بأنفسهم العمل اليدوي لافرق في ذلك بين مثقف و عامل.
و إلي جانب ذلك كان يمارس العمل الفكري و الثقافي.و هو شاعر موهوب صدرت أشعاره و هو في السجن و يكتب القصص و الروايات و يقوم بالترجمه.قام بالعديد من الترجمات داخل السجن و استمر في هذا العمل بعد الافراج عنه.
و كان يرعي زملاؤه من الشباب و العمال و الفلاحين و يتولي تثقيفهم و تعليمهم عن تاريخ بلادهم و يساعدهم في الكتابه باللغه العربيه السليمه و اللغه الانجليزيه التي كات يتقنها .لك يكن يعرف الراحه سواء داخل السجن او خارجه.

هناك تعليق واحد:

  1. خليل قاسم صاحب رائعة الشمندورة ...اول رواية نوبية فى الأدب العربي ... وابن قته
    نوبية قتوكية
    ضحى مصطفى جبر

    ردحذف