الاثنين، 27 فبراير، 2012

حضرة الناظر...المعتقل خليل قــاســم


هذه المقاله تم نشرها بقلمي في مجلة الشمندوره"مجلة جمعية قتـه" العدد الـسادس عشر في تاريخ يوليو2011
...................................

يحكي الكاتب "صلاح حافظ"عن يوم وصوله مع رفاقه معتقل المحاريق في الصحراء الغربيه ، ففي هذا اليوم صدر بالمصادفه قرار حكومي يقضي بفصل اي موظف في الدوله لايعرف القراءه و الكتابه و كان 90% من السجانين لايجيدون القراءه و الكتابه فقرر المعتقلين و ببساطه تأسيس مدرسه لمحو الأميه و كان المسئول عنها أو حضرة الناظر كما كان يناديه بها السجانون هو المناضل العظيم و الاديب "محمد خليل قاسم" ....لم يكن "حضرة الناظر مجرد لقب بين الناس فقط بل كان لقب رسمي فأمتحانات السجانين كانت تجري كل ثلاثة أشهر تحت إشراف ظباط السجن و يتم توقيع النتائج بإسم حضرة الناظر خليل قاسم، أي إنه كان لقب و وظيفه تعترف بها الدوله التي تعتقل قاسم و رفاقه في سجونها و تعذبهم فيها.
كان قاسم شابا يعاني من الفقر و القهر الذي تعانيه مصر باكلمها في فتره نهاية التلاتينات و بداية الاربعينات تحت حكم الملك وعصابته وتحت الاحتلال الانجليزي والحرب التي دمرت نصف الكره الارضيه ،و كشباب كثيرين غيره حاول ان يفهم ان يستوعب ان يعمل علي تغير الاوضاع القائمه فبدا يقرأ و يقرأ و يبحث عمن يجيبه فانضم في البدايه الي "جماعة الاخوان المسلمين" في مصر الجديده و لكن بعد فتره تركهم غير قانعا بتلك الافكار و المبادئ و استكمل بحثه حتي انضم الي (ح.م) او الحركه المصريه للتحرر الوطني وهي مجموعه شيوعيه كانت في قمة نشاطها في هذا الوقت و كان قاسم هو احد اهم كوادرها و كان مسئول القسم النوبي مع عبده دهب و زكي مراد رفيق نضاله و اشعلوا معا الانديه والجمعيات النوبيه وحولوها من دار مناسبات إلي مقر لكل الانشطه الثقافيه و السياسيه و الفنيه التي اجتذبت العشرات و المئات من الشباب النوبي و ساعدت في نشر الافكار الاشتراكيه داخل المجتمع النوبي الذي كان متقبلها الي اقصي درجه في هذه اللحظه بعد ان اغرق البشوات اراضي النوبه و خدعوا النوبين بتعويضات جائره و زائفه....و داخل حركة(ح.م) و التي تحولت بعد ذلك الي (حدتـو) الحركه الديمقراطيه للتحرر الوطني لعب قاسم و رفاقه دورا سياسيا عظيما فأسسوا القسم النوبي و وقفوا سدا منيعا امام محاولات فصل النوبه عن مصر و ضمها للسودان التي لعبها حزب الامه السوداني مدعوما من الانجليز في هذا الوقت بل و شارك فيها بعض رؤساء الجمعيات النوبيه ايضا و خاضوا حروبا ضد دعاة الانفصال و القوا المحاضرات و اطلقوا جريدة "أم درمان" التي اغلقها بعد ذلك صدقي باشا عام1946 عندما بدأ الهجمه علي الشيوعين و لم يكتفي الشاب قاسم بهذا الدور فقط بل كان احد المسئولين في قسم الاحياء في الحركه و هو القسم المسئول عن النشاط الجغرافي وسط الاحياء .
و في عام 1948 صدر الحكم علي قاسم بالسجن 5 سنوات في قضايا الشيوعيه و لم يخرج من السجن الا في العام 1953 اي بعد ثورة يوليو و لكنه سرعان ماعاد الي السجن مره اخري عندما بدا ظباط يوليو الانقلاب علي الديمقراطيه و اصطدموا في البدايه بالشيوعين و صدر حكم ضده بالسجن 8 سنوات و لكن مع انتهاء تلك المده في عام 1961 لم يخرج قاسم بل تحول الي الاعتقال مع زملاءه ليخرجوا جميعا عام 1964 .
بعد خروجه من السجن حاول قاسم العوده للحياه الطبيعيه و عمل مترجما في وكالة انباء المانيا الديمقراطيه و عمل علي ترجمة بعض الكتب و منها "حركة التحرر الوطني في شرق افريقيا" و صدر له كتاب "الخاله عيشه" ،و تقدم لخطبة فتاه نوبيه و بدات الاستعدادت للزواج و لكن وافته المنيه و رحل  في 10/6/1968.
كان خليل قاسم شاعرا و أديبا و مثقفا ثوريا و مناضلا عظيما كتب بدمه و عرقه تاريخ نضالي طويل ضد القمع و الدكتاتوريه و النظام الراسمالي الذي اذاق فقراء مصر و فلاحيها الويلات و سرق ارضها و ناضل ضد الملك و رجاله و ضد حكومه العسكر بعد ذلك محبا لوطنه و شعبه.....مــات فقيرا لايملك شيئا ولكنه ترك تراثا لايقدر بثمن جزءا منه هو روايته العبقريه الشمندوره.


السبت، 18 فبراير، 2012

حول راويـة اللعب فوق جبـال النوبـه و إدريس علي



كعادته في كل كتاباته و تصريحاته يبدو إدريس علي كمن يسبح عكس التيار، بالنسبه لي فالسباحه في عكس التيار وسط مجتمع راكد كالمجتمع المصري بطوله في حد ذاتها و لكن سباحة ادريس علي ليست ضد تيار الركود و الموات الثقافي و الفكري و التبعيه السياسيه بل هو يقف الي جانب هذا التيار و يزيد عليه بينما يسبح ضد تيار حقوق النوبين الثقافيه و الفكريه و الانسانيه ايضا.
يعتبر إدريس علي احد اشهر الشخصيات النوبيه  بالنسبه للمجتمع الثقافي المصري  فهو يعتبر احد الكتاب النوبين المعدودين و بطبيعة الحال فكونه شخصيه نوبيه معروفه و مهما كان مجال ابداعه و معرفته فعندما ياتي الحديث عن القضيه النوبيه يصبح محط انظار العديدين ،وهنا تكمن المشكله فهو رحمة الله عليه معروف بتصريحاته التي تسبح ضد مطالب النوبين و حقوقهم فقبل وفاته بفتره قليله طلب في احدي تصريحاته من النوبين ان يقبلوا بخطة الحكومه بإعادتهم الي وادي كركر و رغم ان هذا ليس موضوع مقالتي هنا و لكن يكفي ان نعرف ان عملية توطين النوبين في وادي كركر ليست سوي تصفيه لقضيتنا و لحقنا في العوده الي اراضينا التاريخيه حول بحيرة ناصر و التي تسعي الحكومه المصريه جاهده من اجل بيعها لمستثمرين عرب و اجانب.
نعود الان الي روايتنا "اللعب فوق جبال النوبه" صدرت عام 2002 و كما في رواياته الاخري يبدو النوبين قوم بدائين جهله يعيشون في القرون الوسطي متخلفين بينما يبدو ابناء الشمال او المصريين"الجورباتيه" كما لو كانوا بناة الحضاره و دعاة الحداثـه و تزداد الامور مراره عندما ندرك ان اغلب المثقفين المصريين اذ ارادو المعرفه عن النوبه فإن الكاتب رقم 1 تقريبا بالنسبه لاغلبهم هو إدريس علي بكل ماتحمل رواياته من تشويه للنوبه و للنوبين...
تحكي الروايه عن الفتاه البيضاء"غاده" التي ينفيها والدها النوبي من القاهره الي بلدته النوبيه في الجنوب"مالتي_ف الاغلب المقصود قرية الكاتب نفسه قرشه و التي يسميها البعض كيشي مالتي" يتم نفي الفتاه جنوبا بسبب وقوعها في حب ابن الجيران و الذي رفضه والدها لانه ليس نوبيا لتقوم بتربيتها جدتها"شايه"، وهناك في مالتي تصطدم الفتاه البيضا بالوجوه السودا و الحر و الذباب و التقاليد التي ترسخت عبر الاف السنين فهي عند وصولها بالمركب ترفض جدتها ان تدعها تركب الحمار مع الولد الصغير الذ يقوم بتوصيلهم و هو بطل الروايه بداعي ان التقاليد لاتسمح للحريم بركوب الحمير و هكذا يدور الصراع علي طول الروايه بين رمز الحداثه"غاده" القادمه من الشمال و بين الجده الشايه النوبيه التي تمثل هنا كل القاليد و العادات الباليه حسب راي الكاتب، الي جانب غاده و في صفها في المعركه يقف اطفال القريه البنات التي تعلمهن غاده القراءه  والكتابه عن طريق الاغاني و الرقص البلدي و الاطفال هنا هم رمزيه المستقبل المتحرر من التقاليد و العادات الباليه رمز الغد المبني علي الافكار و العادات المستورده من الشمال و ايضا يقف الي جانبها الجـد الذي "قضي نصف قرن في مدن الشمال و عمل في اماكن راقيه و يجيد عامية الشمال كأهلها" هكذا يصفه الكاتب و كأن مثلا الحداثه هي لهجة الشمالين و مخالطتهم.
منذ البدايه و حتي النهايه يستمر الكاتب في اتهاماته للنوبين بالجهل و التخلف و الرجعيه من خلال الصدامات بين غاده و جدتها حتي تنتهي الروايه بعد اختفاء غاده بشكل غامض وهو هزيمة الحداثه و انتصار التخلف كما يقصد الكاتب ،نري مشهد الجـد و هو يصرخ في ابنته و حفيدته و البنات في فرح حفيدته ان يتوقفوا عن الغناء النوبي و الرقص النوبي و ان يرقصوا و يغنوا مثل غاده.....يصرخ في البنات ان يفكوا ضفائرهن المتسخه "اريد مشاهدتك بلا ضفائر....مثل غاده" هكذا يقول الجد لحفيدته ليلة فرحها و بعد ذلك يقتحم غرفة الحريم و يصرخ في حفيدته"هيا ياعائشه....تحزمي و ارقصي مثل غاده"
 و يتحزم بنفسه و يرقص و يغني بلدي كمان و هكذا يصبح الرقص و الغناء النوبي الذي ياتي له السياح و الباحثون و محبي الموسيقي و الفنون الشعبيه من اقصي العالم الي اقصاه فن قديم  وبالي حسب الكاتب و تصبح الحداثه هي في الرقص البلدي الشعبي و الغناء عن الحشيش و غيره فغاده و من بعدها الجد يغنون اغنية عن الحشيش:اعملوا معروف....سبيوا الحشيش...دا ملك الملوك....ياحكام بلدنا.
لااستيطع ان اعلق علي المستوي الادبي للروايه فانا لست ناقدا و لا اديبا حتي  ولكن يمكن القول ان الراويه ليست قويه ادبيا فعدا اسلوب السرد الذي برع الكاتب في استخدامه تمتلئ الروايه بعشرات السقطات في التسلسل الزمني فالحكايه احيانا تدور بعد تهجير الخزان كما يخبرنا الكاتب في الصفحات الاولي من راويته عن الحياه في الجبال وسط الذئاب هربا من مياه الخزان و فجاه يحكي عن حكومة محمد نجيب و احيانا عن عبد الناصرو النكسه و عندما يحكي لنا عن قصة غاده فهو يخبرنا ان الجار الذي احبته غاده و بعد تعرضه للتعذيب و التنكيل به من معارف والدها الذي يعملون في جهاز امني يهاجر الي السعوديه و ينضم الي الجماعات الاسلاميه و يمارس اعمال ارهابيه و لايستطيع الكاتب ان يدرك ان الهجره للخليج او حتي الفكر العنيف للجماعات الاسلاميه لم يبدا الا في اواخر السبعينات....تبدو مجموعه من المشاهد الجنسيه كما لو تم اقحهامها لاغراض محدده في الاحداث فمشهد غاده و هي تضع راس الولد بطل القصه علي حجرها ثم تلعب براسه بين قدميها من اجل ارضاء شهوتها ثم محاولتها تعليمه الجنس و التقبيل يبدو غير منطقي و كأن الغرض منه تمكين الجده من غاده في السرد فقط...و ايضا منظر غاده و الولد الصغير وهم يهربون في الجبال من الذئاب و يخلعون ملابسهم و يشعلونها ثم يدخلون قريه نوبيه اخري عراه تماما لاداعي له علي الاطلاق سوي حالة مراهقه متأخره.
تبدو حالة إدريس علي مركبه في  راوياته و تصريحاته فهو بيدو كما لو كان مصابا بعقدة الشمال كارها لبني جلدته و اهله من النوبين يحتقرهم و يرفض ثقافتهم_تلك الثقافه التي قاومت و صمدت و تطورت عبر الاف السنين و واجهت كل محاولات طمسها و ستبقي صامده ضد العولمه الثقافيه و محاولات التعريب و التذويب......