الأحد، 3 يناير، 2010

دمــوع الفـجــر



قـصه نوبيه قـصـيره......للقاص النوبي الشاب محمد سيد علي
قصه تأخذنا الي الوطن و ما بعد الوطن.............شكرا أمبيسا"أخي بالنوبيه"


مقدمــة

هذه القصة مستوحاة من واقع حياة أبطال نوبيين ربما لم يذكرهم التاريخ,ولكن يكفى أن نعترف بهم نحن أبنائهم بأنهم أبطالَ وسيظلون في نظرنا كلك , وسنروى قصصهم ( إن شاء الله ) لأبنائنا وأحفادنا.

إهداء إلى كل نوبي عاصر التهجير..


محمد سيد علي


الفصل الأول:على ضــوء القمـــر

في عربة قطار متجه إلى أسوان, وقبل تحرك القطار بحوالى10دقائق, يأتى رجل

أسمرالبشرة,متوسط القامة ,يرتدى نظارة طبية, فى العقد السادس من عمره, ملامح وتجاعيد وجهه أن دلت علي

شيء فإنما تدل على أنه عاش حياة مليئة بالمواقف الصعبة والمعاناة, وهذه التجاعيد ما

هى إلا آثار رسبها الزمن على هذا الوجه ,يحمل حقيبة صغيرة فى يده ويتجه إلى

كرسيه المفرد ويضع حقيبته بكل هدوء على الرف العلوى للكرسى وجريدته فى يده,

ويمر بجواره النادل ويطلب منه السيد حسن فنجاناً من الشاي, ومع الشاي يتصفح

السيد حسن الجريدة وبعد حوالي ساعة يعيد طيها مرة أخرى ,ثم ينظر إلى خارج القطار

من النافذة ويرى على ضوء القمر الزرع على امتداد البصر ,وهذا المنظر أين تراه يا ساكن

العاصمة المزدحمة إلا فى سفرك إلى خارجها؟ ...وهذا المنظر عاد بحسن إلى أيام

طفولته و صباه,وشرد بذهنه عائداً إلى النوبة القديمة, حيث كان دون الثالثة عشر يجلس

على شاطئ النيل ومن ورائه الزرع والأشجار والنخيل والبيوت التي كانت تقام على

مساحات شاسعة تعلوها القبب ومن الخارج مزينة بالألوان المتناسقة والزخارف,والبيوت

غير متلاصقة كل بيت على حدا وكانت القرى النوبية تطل على النيل, وكان لحسن قارب

صغير , كان يستمتع بالذهاب به إلى البر الآخر, و كانت حياته بين المدرسة والأرض نهاراً,

ومع أقرانه من شباب القرية ليلاً, إما فى فرح أوجلسة سمر, وكان حسن لم يخرج من

بلده قط بحكم عدم إحتياجه لأي شئ من خارج البلد,وكانت بلدته التي تطل على النيل

مباشرة فى نظره أجمل مكان فى الدنيا, ولم يعرف حسن شئ عن العالم الخارجي

سوى المدون بكتب المدرسة ومايرويه المدرسون والكبار لهم,وكعادة الأطفال لم يخلى

سمرهم من حكايات الأشباح والعفاريت التى هى معظمها خيالى وربما يكون جزء منها

حقيقى,وأحياناً كانوا يحكون بتفاخرعن بطولات أبائهم وأجدادهم فى مواجهة

المخاطر,وكان الجميع سعداء بمن هم فيه وكانت منازلهم وأراضيهم بمثابة مملكتهم

الخاصة حقاً.... أنه كان وادى الملوك لذلك الزمان.


الفصل الثانى: خبر مفزع

ووسط هذه الحياة الهادئة التى يتمناها كل إنسان يأتى إلى حسن وكل أهالي النوبة الخبر المؤلم

(تهجير النوبيين من أراضيهم لوادي كوم أمبولبناء سد عال)أنتشر الخبر فى البلدة

كإنتشار النار فى الهشيم,وتلاقى حسن بأخيه الأكبر محمد

فى المنزل مساءا وسأله: أحقا يا محمد سنترك البلد؟

أجابه محمد وعيناه تدمع:نعم

يسأل حسن غاضباً:لماذا؟ أنا لن أذهب معكم

محمد ومازالت عيناه تدمع: لو لم نذهب سنغرق هنا,

وتشارك فاطمة الأخت الكبرى الحوار:إن شاء الله يا حسن لم يكون الفارق كبير بين هنا

وهناك,

ولعلها أفضل من هنا كما نسمع,

تتوالى الأيام الأخيرة قبل التهجير بسرعة الرعد,

ويوم التهجير يذهب حسن ومحمد صباحا إلى المقابر لزيارة مقابر والديهما لأخر

مرة ,ويقف حسن عند قبر والدته ويبكى بشدة ولم يتمالك محمد نفسه

ويبكى هو الأخر ويحتضن حسن ويذهب به بعيداً عن المقابر,وذهب الجميع إلى المراكب

(مراكب التهجير) في مواكب أشبه بالمواكب الجنائزية ,الكل حزين,ومن على سطح

المركب ينظر حسن إلى بيته وأرضه بعيون مليئة بالدموع,إنها النظرة الأخيرة ,,




الفصل الثالث: النوبة الجديدة

وذهب الجميع إلى النوبة الجديدة(وادي كوم أمبو) ,وكان للفرق الشاسع بين النوبتين أثر

فى نفوس الجميع وبصفة خاصة حسن ,لأنه كان يحب بلده حباً رهيباً ويعشق نيلها وله

به ارتباطاً لا يوصف,

فالنيل بمثابة صديقه الوفي ,وكان حسن يحيى حياة لاتعوضها أي حياة فى أي

مكان ,وأحس بالغربة وكانوا أصدقاء حسن المقربين لاحظوا عزلة حسن عنهم, وأنه لا

يزال مكتئباً وكانوا يسألونه :لماذا لا تنضم إلينا يا فى سمرنا وسهرنا ليلا كما كنت فى

السابق؟

وكان رده: للأسف ليس سهل علي

تقبل الأمر ببساطة مثلكم, ولا أشعر بأي ألفة بيني وبين هذا المكان , كان غياب النيل له

الأثر فى نفس حسن , الذى كان يظن أنه صديقه الأبدي ولن يفرقه عنه أي شئ ولكن

كعادة الدنيا,تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن,,

ومر أول صيف فى البلد الجديدة وأتى الموسم الدراسي ,وذهب إلى المدرسة الثانوية

الداخلية ومضى فيها ثلاثة أعوام وحصل ونجح بتقدير مشرف,ثم ذهب إلى القاهرة

للالتحاق بالجامعة ومكث في الجامعة أربعة أعوام وحصل على بكالوريوس تجارة عام

1971


الفصل الرابع :العبور

وكانت مصر في هذه الفترة فى حالة طوارئ(سنوات النكسة) ,وما أن أنهى حسن

دراسته حتى طلب للتجنيد,وألتحق بالجيش وعاش حسن وزملائه بالجبهة أيام عصيبة

وكان عزائهم الوحيد الأمل فى الله بالنصر,

وبالفعل لم يخيب الله ظنهم, وكان حسن بالجيش يتبع سلاح الإشارة, وكانت اللغة النوبية

هى المستخدمة فى سلاح الإشارة نظرا لأنها غير معروفة لدي الإسرائيليين, وكان بعيداًََ

كل البعد عن تفكيرهم التعامل باللغة النوبية فى الجبهة.

وأنهى حسن خدمته العسكرية وعاد إلى البلد منتصراً رافع الرأس, ثم تعين فى وظيفة

حكومية بالقاهرة تتناسب مع مؤهله وشهادته الجامعية, وتأقلم حسن على حياة

القاهرة, وكان دائم الاتصال بأشقائه محمد وفاطمة فى البلد, وقرر حسن الزواج وتزوج من بنت عمه, وأنجب

ولدان وبنت, وكان منزل حسن يعتبر منزل العائلة بالقاهرة, وكانت عائلته أيضاً مثال للكرم

والضيافة وحسن الاستقبال لكل من يزورهم من البلد, وربى أولاده على العادات

والتقاليد النوبية, وكان حسن عضومؤسس و بارز فى جمعية بلدته بالقاهرة, وكان أيضاً

مثال مشرف للنوبيين بين جيرانه وأهل منطقته وكسب إحترام وثقة وحب الجميع, وكانت أ
ول زيارة لحسن للبلد بعد زواجه

فى مرض أخيه الأكبر محمد, وثانى زيارة بعدها ببضعة أشهر فى وفاة محمد, وحزن

حسن حزناً شديداً لافتقاده شقيقه الوحيد, لم يبقى لحسن أحد من عائلته سوى أخته

الكبرى فاطمة ,التي كانت تزور حسن في القاهرة صيفاً هى وأولادها وأحياناً تصطحب

أولاد أخيه محمد

ولكن حسن لم يذهب للبلد بعد وفاة محمد ..


الفصل الخامـس والأخير: تلبية النداء

وذات يوم بينماً حسن جالساً بالمنزل مع أولاده, يرن الهاتف ، يجيب حسن...... وإذا بابنة

أخته هى المتصلة لتبلغه بأن والدتها مريضة وطريحة الفراش ,وعلى الفور يقرر حسن

السفر للبلد التي لم يسافر إليها منذ أكتر من عشرون عاماً لرؤية شقيقته المريضة

ويفيق حسن من شروده على صوت آذان الفجرآتياً من مذياع أحد الركاب, باعثاً في نفس

حسن الطمأنينة وقبل إنتهاء الآذان ..

فجأة,,

و دون أي سبب, امتلأت عيناه بالدموع, ولما هذه الدموع !!


هل هي دموع أخ يتمنى رؤية أخته قبل فوات الأوان؟

دموع رجل بدأ حياته بمكان أحبه ولا يستطيع حتى رؤيته مرة أخرى؟

دموع فتى عندما أدرك الدنيا من حوله وجد نفسه مغترباً؟

دموع الابن المحروم من زيارة مقابر والديه؟

دموع رجل ضحى بأرضه من أجل الوطن ولم يلقى ما يستحقه من تقدير؟؟

دموع الطفل اليتيم بداخله؟

دموع جندى عاد من الحرب منتصرا ولم يلقى أهتماماً كما تصور؟

...أياً كان سبب هذه الدموع فهى ليست دموع رجل عادى
إنها دموع رجل تدفعه الحياة دائماًَ للقتال في الصفوف الأولىٍِ والتضحية من أجل الآخرين..


إنها حقاً دمــــوع بطـــل..

هناك 4 تعليقات:

  1. انها قصه جميله ، قصة حنين للارض وللراحلين ولللاخ انها
    كما كتب دموع بطل ،ولكن ليست دموع نوبى انها دموع الابطال اللذين روواالارض بدمائهم وعرقهم وعادوا,,
    بالنصر فوجدوا ان من هرب من الحرب ومن زور ومن هادن هم اللذين اغتصبوا خيرات البلد وسرقوها ونهبوها ومات عبدالعاطى صائد الدبابات مدينا بعشرة الالاف جنيه لزواج بناته..اما اللصوص والرأسماليين الجدد واصحاب الثروه والسلطه فيقد دفع احدهم مائة مليون فى17 يوم مع مطلقة الوليد..
    فالهموم واحده ياصديقى..

    ردحذف
  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

    في الحقيقة أخي في الله أحي فيك هذه الأصالة والتمسك بالتاريخ والتراث .. والإصرار على توصيل التاريخ المنير للأجيال اللاحقة خوفا من أن يندثر .. فكل منا يعيش على تراث من سلفه.

    ويبقى التاريخ في النهاية سيد الموقف.

    أعجبتني كثيرا هذه الفصول وطريقة سردك لها.

    لك مني كل الود ولتقدير .. فأنت من القلائل جدا الذين يفكرون بأسلافهم ويفتخرون بهم.

    ردحذف
  3. مدونة جميلة ورائعة تسلم الأيادي
    والى الأمام دائما

    ردحذف